مركز الثقافة والمعارف القرآنية

88

علوم القرآن عند المفسرين

فقد تبيّن إذا - بما عليه دللنا من الدّلالة - أن كلّ رسول للّه جل ثناؤه أرسله إلى قوم ، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه ، وكلّ كتاب أنزله على نبي ، ورسالة أرسلها إلى أمة ، فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه . فاتضح بما قلنا ووصفنا ، أن كتاب اللّه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بلسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وإذ كان لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عربيّا ، فبيّن أن القرآن عربيّ . وبذلك أيضا نطق محكم تنزيل ربّنا ، فقال جلّ ذكره : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ « 1 » . وقال : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ « 2 » . وإذ كانت واضحة صحة ما قلنا - بما عليه استشهدنا من الشواهد ، ودللنا عليه من الدلائل - فالواجب أن تكون معاني كتاب اللّه المنزل على نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لمعاني كلام العرب موافقة ، وظاهره لظاهر كلامها ملائما ، وإن باينه كتاب اللّه بالفضيلة التي فضل بها سائر الكلام والبيان ، بما قد تقدّم وصفناه . فإذ كان ذلك كذلك ، فبيّن - إذ كان موجودا في كلام العرب الإيجاز والاختصار ، والاجتزاء بالإخفاء من الإظهار ، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال ، واستعمال الإطالة والإكثار ، والترداد والتكرار ، وإظهار المعاني بالأسماء دون الكناية عنها ، والإسرار في بعض الأوقات ، والخبر عن الخاصّ في المراد بالعامّ الظاهر ، وعن العامّ في المراد بالخاصّ الظاهر ، وعن الكناية والمراد منه المصرّح ، وعن الصفة والمراد الموصوف ، وعن الموصوف والمراد الصفة ، وتقديم ما هو في المعنى مؤخر ، وتأخير ما هو في المعنى مقدّم ، والاكتفاء ببعض من بعض ، وبما يظهر عما يحذف ، وإظهار ما حظه الحذف - أن يكون « 3 » ما في كتاب اللّه المنزل على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك ، في كلّ ذلك ، له نظيرا وله مثلا وشبيها » . قال الطبري في البيان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من

--> ( 1 ) سورة يوسف : الآية 2 . ( 2 ) سورة الشعراء : الآية 192 - 195 . ( 3 ) قوله « أن يكون . . . » مبتدأ قوله « فبيّن » وما بينهما اعتراض طويل ؛ وهذا دأب الطبري أبدا ، حتى كأنه لم يكن يخشى على قارئ أن يسوء فهمه أو تكلّ فطنته ( حاشية الأستاذ محمود محمد شاكر على طبعة دار المعارف .